الشيخ علي المشكيني
185
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
وعن أبي جعفر عليهما السّلام قال : قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام رجل بالبصرة فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان ، قال : الإخوان صنفان : إخوان الثقة ، وإخوان المكاشرة ؛ فأمّا إخوان الثقة فهم الكفّ والجناح والأهل والمال ، فإذا كنت من أخيك على جنب الثقة فابذل له مالك وبدنك ، وصاف من صافاه ، وعاد من عاداه ، واكتم سرّه وعيبه ، وأظهر منه الحسن ، واعلم أيّها السّائل أنّهم أقلّ من الكبريت الأحمر « 1 » ، وأمّا إخوان المكاشرة فإنّك تصيب منهم لذّتك فلا تقطعنّ ذلك منهم ، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك من ضميرهم ، وابذل لم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه ، وحلاوة اللسان . وقال عليه السّلام : أهلك الناس اثنان : خوف الفقر ، وطلب الفخر . وقال عليه السّلام : قطع ظهري رجلان من الدّنيا : رجل عليم اللسان فاسق ، ورجل جاهل القلب ناسك ، هذا يصدّ « 2 » بلسانه عن فسقه ، وهذا بنسكه عن جهله ؛ فاتّقوا الفاسق من العلماء ، والجاهل من المتعبّدين ، أولئك فتنة كلّ مفتون ؛ فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول : يا عليّ ، هلاك امّتي على يدي كلّ منافق عليم اللسان . وقال عليه السّلام لبنيه : يا بنيّ ، إيّاكم ومعاداة الرجال ! فإنّكم لا تخلون من ضربين : من عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم « 3 » ، والكلام ذكر والجواب أنثى ، فإذا اجتمع الزوجان فلا بدّ من النتاج ، ثمّ أنشأ يقول :
--> ( 1 ) . الكبريت الأحمر : يقال هو من الجوهر ، ومعدنه خلف بلاد التّبّت ؛ وادي النمل الذي مرّ به سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام ( لسان العرب : 2 / 76 ) . الكبريت : معروف ، والأحمر منه عزيز الوجود ، وهو مثل قولهم : أعزّ من بيض الأنوق [ وهو طائر يبيض في قمم الجبال والأماكن الصعبة البلوغ ] ( مجمع البحرين : 4 / 12 ) . ( 2 ) . صدّ يصدّ عنه أعرض ومال ومنع وصرف عنه ومنه من باب نصر ؛ أي يمنع بلسانه عن ظهور فسقه ، وكذا الناسك الجاهل . ( 3 ) . المكر هو صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان : محمود وذلك أن يتحرّى بذلك فعل جميل ، ومذموم وهو أن يتحرّى به فعل قبيح وبالمعنى الأول قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ * والمراد هنا أنّ الذي عاديتموه إن كان عاقلا يحتال عليكم فيضرّكم آجلا ، وإن كان جاهلا يعجل عليكم بالشرّ .